مساعدة الطفل بعد طلاق الوالدين: قصة طفلة في الحادية عشرة

مساعدة الأطفال بعد طلاق الوالدين عمل دقيق، لأن الطفل كثيراً ما يحمل في داخله، بصمت، اعتقاداً خاطئاً بأنه هو، بطريقة ما، سبب الانفصال. هذه قصة حقيقية لطفلة في الحادية عشرة جاءت إلى مركز HerSelf بعد أن انطوت على نفسها، وفقدت متعتها بالمدرسة، وصارت تلوم نفسها على طلاق والديها. وهي أيضاً قصة العمل الهادئ بالبرمجة اللغوية العصبية (NLP) الذي أعاد إليها ثقتها بنفسها. غيّرنا التفاصيل التي تدلّ عليها حفاظاً على خصوصيتها.

1. التحدي: وصف المشكلة

كانت الطفلة، وهي في الحادية عشرة من عمرها، تعاني عاطفياً وسلوكياً منذ طلاق والديها، وظهرت عليها الأعراض التالية:

  • الانسحاب من العلاقات الاجتماعية، حتى مع أصدقائها وعائلتها.
  • بكاء متكرر ونوبات انفعال.
  • تراجع في تحصيلها الدراسي، وفي اهتمامها بالنشاطات اللاصفّية.
  • معتقدات تلوم فيها نفسها، مثل: «أنا السبب في انفصالهما».

كانت حالتها العاطفية مزيجاً من الحزن والغضب والحيرة.

لجأ والد الطفلة إلى البرمجة اللغوية العصبية ليساعد ابنته على التعامل مع مشاعرها، وعلى استعادة ثقتها بنفسها وفرحها.

2. تحليل المشكلة

تعود معاناتها، من منظور البرمجة اللغوية العصبية، إلى عدة جذور:

  • المعتقدات المقيِّدة: اعتقادها بأنها مسؤولة بطريقة ما عن طلاق والديها.
  • الإرساء العاطفي (Anchoring): ارتبطت مشاعر سلبية، كالحزن والشعور بالذنب، ارتباطاً راسخاً بذكريات شجار والديها.
  • الأنماط السلوكية: تجنّب المواقف الاجتماعية والدراسية وسيلةً للتكيّف مع ما تشعر به.

أنماط نفسية وعاطفية وسلوكية محتملة رُصدت لديها:

  • استعادة الذكريات السلبية مراراً في ذهنها، ما يغذّي حزنها ولومها لنفسها.
  • صعوبة في التعبير عن مشاعرها بالكلام، فتخرج على شكل نوبات انفعال.
  • صراع داخلي بين حبّها لوالديها كليهما، وشعورها بأن عليها «أن تنحاز إلى أحدهما».
مقاربة هادئة بالبرمجة اللغوية العصبية لمساعدة الأطفال بعد طلاق الوالدين

3. المقاربات المطروحة

دُرست عدة مقاربات للعمل على المشكلة عبر الخط الزمني للطفلة، بتقنيات منها:

  • الإرساء: لخلق حالات عاطفية إيجابية تحلّ محلّ المحفّزات السلبية.
    • الإيجابيات: بسيط وفعّال، ويمنح ارتياحاً فورياً.
    • السلبيات: محدود حين يتعلّق الأمر بمشكلات عاطفية عميقة الجذور.
  • إعادة التأطير (Reframing): لمساعدة الطفلة على رؤية الطلاق أمراً خارجاً عن إرادتها.
    • الإيجابيات: تمنحها قوة، وزاوية نظر أوسع.
    • السلبيات: قد يحتاج الطفل إلى وقت كي يستوعبها تماماً.
  • مولّد السلوك الجديد (New Behavior Generator): لحلّ صراعها الداخلي حول ولائها لوالديها كليهما، ولتكوّن صورة أفضل عن نفسها وعن صفاتها، من دون أن تلوم نفسها.
    • الإيجابيات: يساعد على توحيد المشاعر المتضاربة، ويمنحها وضوحاً يقودها إلى صورة أفضل عن نفسها.
    • السلبيات: يحتاج إلى توجيه أكبر مع الأطفال الأصغر سناً.
  • العمل بالقصة (Storytelling) مع عناصر من البرمجة اللغوية العصبية: استخدام الاستعارات والقصص للتأثير بلطف في أفكارها ومشاعرها.
    • الإيجابيات: يشدّ الطفلة بطريقة قريبة منها، ومن دون مواجهة.
    • السلبيات: قد يحتاج إلى التكرار أكثر من مرة حتى يلامسها فعلاً.

اختيرت كل تقنية من التقنيات التالية لهدف واحد: أن يشعر الطفل بعد طلاق والديه بأمان يكفي ليسمح للمشاعر القديمة بأن تتحرّك، بإيقاعه هو وبلغة يفهمها.

المقاربة المختارة: مساعدة الطفل على التعافي من طلاق والديه

كانت التقنية الأساسية العمل بالقصة مع عناصر من البرمجة اللغوية العصبية، لأنه يناسب عمر الطفلة ولا يُشعرها بأي تهديد. وقد أتاحت لها هذه الطريقة أن تتعامل مع مشاعرها بشكل غير مباشر، عبر حكايات تشدّها وتشبهها. ورافقتها تقنيات مساندة:

  • الإرساء، لصنع لحظات من الفرح والثقة.
  • إعادة التأطير، لتساعدها على رؤية الوضع من زاوية إيجابية.
  • مولّد السلوك الجديد، للتعامل مع شعورها بتنازع الولاء بين والديها، وليمنحها مشاعر أفضل وصورة أفضل عن نفسها.

جمع هذا المزيج بين ارتياح فوري ونموّ عاطفي على المدى البعيد.

مساعدة الأطفال على التعامل مع مشاعرهم بعد الطلاق بالبرمجة اللغوية العصبية

5. خطوات العمل جلسةً بجلسة

الجلسة 1: بناء الألفة والتقييم الأولي وفتح التنفس (Breath Opening)

  • قضاء وقت مع الطفلة في جوّ مريح لبناء الثقة.
  • اللجوء إلى أنشطة مرحة لتشجيعها على الحديث عن مشاعرها وعمّا عاشته.
  • تحديد أبرز مشاعرها ومعتقداتها المقيِّدة (مثل: «هذا ذنبي»، و«لن أستطيع أن أفرح بعد اليوم»).
  • تمرين فتح التنفس، لتسترخي وتتحرّر من مشاعر التوتر.

الجلسة 2: العمل بالقصة و«رحلة البطل»

  • رواية قصة عصفورة صغيرة انهار عشّها في عاصفة، لكنها وجدت عشاً جديداً أقوى بمساعدة أصدقائها في الغابة.
  • التوقف خلال القصة للحديث عمّا قد تشعر به العصفورة، وتشجيع الطفلة على أن ترى نفسها فيها.
  • الطلب منها أن تتخيّل نفسها مكان العصفورة، وأن تقترح ما يمكن أن تفعله بعد ذلك لتعود سعيدة.

الجلسة 3: إرساء الحالات الإيجابية

  • تحديد ذكرى سعيدة (لعبها مع والديها في الحديقة).
  • إرساء هذه الذكرى في حركة جسدية (ضمّ إبهامها وسبّابتها معاً).
  • التدرّب على هذه الحركة في لحظات الضيق لاستحضار شعور الفرح.

الجلسة 4: إعادة التأطير بالحوار

  • مساعدتها على فهم الطلاق من جديد بوصفه قراراً اتخذه والداها ليعيش الجميع حياة أسعد، وهي منهم.
  • الحديث معها عن أن حبّها لوالديها كليهما يبقى ثابتاً، حتى لو عاش كل منهما في بيت منفصل.

الجلسة 5: مولّد السلوك الجديد

  • مرافقتها في تمرين تخيّل موجَّه لتعرف قيمتها، وتحبّ نفسها ووالديها، وتكوّن صورة أفضل عن نفسها.
  • استخدام الاستعارات (مثل: «قلبك غرفة كبيرة، فيها مكان لماما ومكان لبابا») لتقريب الفكرة منها.

الجلسة 6: التمكين ووضع الأهداف

  • تشجيعها على وضع أهداف صغيرة، كأن تقضي وقتاً مع أصدقائها، أو ترسم مشاعرها في دفتر خاص.
  • تعزيز تقدّمها والاحتفال بإنجازاتها لتقوية ثقتها بنفسها.
طفلة تستعيد ثقتها بنفسها بعد طلاق والديها

6. النتائج والتحوّل

النتائج على المدى القريب

  • خلال أسبوعين، تحسّن مزاجها، وبدت مستعدة للعودة إلى أصدقائها.
  • تراجعت كثيراً نوبات البكاء والانفعال.

النتائج على المدى البعيد

  • على مدى ثلاثة أشهر، استقرّ تحصيلها الدراسي، وعاد إليها اهتمامها بالفن والموسيقى.
  • صارت أكثر انفتاحاً في الحديث عن مشاعرها، وبدأت تعبّر عنها بطرق إبداعية، كالرسم ورواية القصص.

شهادة الأهل

قال والدها: «عادت تبتسم، وتلعب مع أصدقائها، حتى إنها بدأت تتحدث عن أحلامها للمستقبل. أشعر بأن ابنتي عادت إليّ».

7. الخلاصة

مدى فعالية العمل: تُبرز هذه الحالة أهمية تكييف تقنيات البرمجة اللغوية العصبية مع عمر الشخص ونضجه العاطفي. فبالاعتماد على القصة أداةً أساسية، إلى جانب الإرساء وإعادة التأطير، تمكّنت الطفلة من التعامل مع مشاعرها بطريقة آمنة وممتعة.

أبرز الدروس:

  • يمكن أن تكون البرمجة اللغوية العصبية فعّالة جداً مع الأطفال، حين تُقدَّم تقنياتها بأشكال تناسب أعمارهم.
  • الجمع بين القصة وتقنيات عملية كالإرساء يضمن نتائج فورية وأخرى تدوم.
  • بناء الألفة والثقة مع الصغار شرط أساسي لنجاح العمل.

آفاق استخدام البرمجة اللغوية العصبية في حالات أخرى: يمكن تطبيق هذه المقاربة في مواقف أخرى يمرّ بها الأطفال، كالحزن على فقدان عزيز، أو التنمّر، أو ضعف تقدير الذات. وهي تُظهر مرونة البرمجة اللغوية العصبية في التعامل مع الصعوبات العاطفية في كل الأعمار.

احجزي مكالمة معي لنحلّ معاً مشكلات أطفالك، ونجعل حياتهم أسهل!

ما يحتاج كل أب وأم إلى معرفته عن مساعدة الطفل بعد الطلاق

أهم ما تكشفه هذه الحالة: نادراً ما يحتاج الطفل إلى من يقول له إن الطلاق ليس ذنبه، بقدر ما يحتاج إلى من يساعده على التحرّر من الشعور بأنه ذنبه. لهذا تنجح مساعدة الأطفال بعد الطلاق حين تعمل على مستوى المشاعر والمعتقدات، لا بالمواعظ. ولهذا أيضاً استعادت الطفلة بريقها في جلسات قليلة. عملت على هذه الحالة الكوتش نانسي حلبي.

وإن لاحظتِ علامات قلق على طفلك في هذه المرحلة، فاقرئي كيف تساعدينه من دون أن تنقلي إليه قلقك، واقرئي أيضاً قصة قريبة: كيف استعاد طفل صامت صوته بعد وفاة والده. مدرِّباتنا معتمدات من معهد الخوارزمي، ويمكنك أن تبدئي باستشارة مجانية ضمن كوتشينغ التربية، بالعربية أو بالإنجليزية، أونلاين أو حضورياً في لبنان.